الشنقيطي
176
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه ، فهو رسول إليها بذلك قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [ البقرة : 253 ] ما نصه : وقد سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو ؟ فقال : نعم نبي مكلم « 1 » ، قال ابن عطيه : وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة ، فعلى هذا تبقى خاصية موسى ا ه وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً [ البقرة : 38 ] في سورة البقرة ما نصه : لأن آدم كان هو النبي صلّى اللّه عليه وسلم أيام حياته ، بعد أن أهبط إلى الأرض ، والرسول من اللّه جل ثناؤه إلى ولده ، فغير جائز أن يكون معنيا وهو - الرسول صلّى اللّه عليه وسلم - بقوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً أي : رسل ا ه محل الحجة منه بلفظه . وفيه وفي كلام ابن كثير المتقدم عن صحيح ابن حبان التصريح بأن آدم رسول وهو مشكل مع ما ثبت في حديث الشفاعة المتفق عليه من أن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أول الرسل « 2 » ويشهد له قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [ النساء : 163 ] والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين : الأول : أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة ، ونوح أول رسول أرسل في الأرض ، ويدل لهذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما ، ويقول « ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه اللّه إلى أهل الأرض » « 3 » . الحديث فقوله إلى أهل الأرض لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض ، لكان ذلك الكلام حشوا ، بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا . ويتأنس له بكلام ابن عطية الذي قدمنا نقل القرطبي له . الوجه الثاني : أن آدم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه ، ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك باللّه تعالى ، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده ، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً [ يونس : 19 ] الآية . أي : على الدين الحنيف أي حتى كفر قوم نوح ، وقوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ [ البقرة : 213 ] الآية . واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [ 253 ] . أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كقوله : لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ( 79 ) [ الإسراء : 79 ] أو قوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ : 28 ] الآية . وقوله : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] وقوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) [ الفرقان : 1 ] وأشار في مواضع أخر إلى أن منهم إبراهيم
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي أمامة الباهلي : ابن حبان في التاريخ حديث 6157 . ( 2 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في الرقاق حديث 6565 ، ومسلم في الإيمان حديث 322 . ( 3 ) سبق تخريجه .